صديق الحسيني القنوجي البخاري
111
فتح البيان في مقاصد القرآن
التوراة عوضا يسيرا من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشئ اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشئ اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل ، وهذه الآية وإن كانت خطابا لبني إسرائيل ونهيا لهم ، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه ، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر اللّه به أو إثبات باطل نهى اللّه عنه ، أو امتنع من تعليم ما علمه اللّه وكتم البيان الذي أخذ اللّه عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات اللّه ثمنا قليلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا . ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى ، أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين ، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى وباقي الكلام فيه كالكلام في قوله وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقد تقدم قريبا . وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم ، وقيل لا تخلطوا الحق من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالباطل من تغيير صفته ، واللبس الخلط ، وقيل هو مأخوذ من التغطية أي لا تغطوا الحق بالباطل ، والأول أولى ، والباء للإلصاق على الأول وقيل للاستعانة واستبعده أبو حيان ، وقال فيه صرف عن الظاهر من غير ضرورة ، قال السمين ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحسن ، والباطل في كلام العرب الزائل ، والباطل الشيطان والمراد به هنا خلاف الحق والمراد النهي عن كتم حجج اللّه التي أوجب عليهم تبليغها وأخذ عليهم بيانها ، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين ومعنى خاص كما تقدم فلم يصب إن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره لا إن أراد أنه مما يصدق عليه . وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ لما فيه من الضرر والفساد ، وفيه أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه ، وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذه الخطاب وإن كان خاصا في الصورة عاما في المعنى ، فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل ، وذلك أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة ، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصا في أمور الدين ، فإن التكلم فيها والتصديق للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن اللّه به لمن كان رأسا في العلم فردا في الفهم ، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم ، والقعود في غير مقاعدهم .